أتأمل تلك الصور كثيرا ... و لا أدري لماذا تستوقفني تلك الصور .. حتى تلك الرسائل أعيد قراءتها مرة تلو الأخرى و لا أدري لماذا ... هل لاستعيد ذكرى تلك الرسائل و الصور ... هل لأضحك ... هل لأبكي ... هل لأزيد إصراري .. او حتى لأحاسب نفسي
من ضمن تلك الصور ... هناك تلك الصورة البارزة ... بارز هي بمن فيها ... ذاك الرجل ذو البشرة الداكنة .. بشرة لا تعرف سر لونها .. هل من كثرة ما لفحته الشمس في تلك المصايف و العمل .. أم لونها هو تراكم لهموم السنين ... و لكنها سمرة محببة إلى نفسي بشدة و تجذبني لمعتها بعد ان تكسوها مياه الوضوء ... هذه العيون المنهكة و حولها صفوف من التجاعيد الخفيفة التي لا تكاد أن تظهر بسبب لون البشرة .. تلك العيون التي يوم رأيتها تدمع رأيت عالمي كله ينهار أمامي و ودت لو كان بيدي حيلة لأمنع تلك الدموع .. أعشق سواد عينيه .. أعشق نظرة التحدي و تلك الرحلة الطويلة التي تحكيها .. أرى فيهما نفسي و من حولي .. أرى فيهما خوفه و عشقه .. أمله و حلمه .. سؤاله و دهشته .. أرى حبه و عطفه حتى في لحظات قسوته علي ... يجلس على تلك الأريكة ... ظاهر عليه التعب .. و في ذات الوقت ارى السعادة على وجهه ... أعياه المرض و أفرج شفتيه وجودنا بقربه ... و خاصة تلك السيدة التي معه في نفس الصورة ... كانت قد وصلت توها ... و احتضنته كمن تحتضن زوجها لأول مرة في حياتها بعد عقد قرانهما .. تتحسس كتفه و صدره و ظهره .. تمسك بيديه بقوة و تقبلهما و يقبل هو رأسها بكل حنان الدنيا.. و تجلس بقربه كأنها تلعن كل يوم أبعدها عنه ... و تخبرني أن التقط تلك الصورة لهما ... حتى قبل أن تبدل ملابسها .. أو تلتقط أنفاسها ... و ترى شوقها في عينيها كذلك ... و تضحك لتناقض صفاتها معه ... فهي فاتحة اللون .. و تبرز عباءتها السوداء لونها .. و لذلك ترى الانهاك على وجهها أكثر وضوحا ... و إن كنت أراها أصبى من كثيرات سواء في نفس عمرها أو حتى أصغر و أنا إحداهن .. و كثيرا ما كنت أداعبها بذلك ... لا تحب مواد التجميل و لا تضع منها سوى الكحل الأسود فقط ... و لا أدري على تضعه لتخفي آثار التعب .. أم لتوسع رسمة عينيها الضيقة و التي قد ورثتها عنها ... و لكن مهما كان السبب فلا أظن أن السبب هو التجمل
هما أجمل من في حياتي .. تحية لرجل طيب مهما ضاق صدره لا يضيق علينا ... و إن جرح بكلمة فترى في عينيه كل معاني الرحمة التي في الدنيا و الرفق بنا ... رجل احترم عقله و أفكاره حتى و إن اعترضت على بعضها .. فهو رجل لا تقوى سوى على احترامه و حبه حتى و ان اختلفت معه ... فهو يعرف كيف يختلف و كيف يحترم الاختلاف ... و تحية لسيدة تعبت كثيرا في صباها و شبابها و لا زالت تحمل همنا إلى الآن .. رغم كل همومها و معرفتها بعدم رغبتي في الحديث او الاستماع حتى ... جاءت لي و دعت لي و احتضنتني و هي تخبرني أن لا يضيق بي صدري بسبب موضوع عملي .. تدعو ربي و انا رأسي على صدرها و تقبلني و تحلفني أن لا أترك هذا الموضوع يحبطني... و تختم دعاءها بقبلة على وجنتي و جبيني .. و تذهب لتنام و تتركني لاتم عملها
تصبحين على خير يا امي يا طيبة ... تصبح على خير يا أبي الحبيب
